الشنقيطي
32
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
كأنه بالضحى ترمى الصعيد به * دبابة في عظام الرأس خرطوم وإنما سمي صعيدا ، لأنه نهاية ما يصعد إليه من الأرض ، وجمع الصعيد صعدات على غير قياس ، ومنه حديث « إياكم والجلوس في الصعدات » « 1 » ، قاله القرطبي وغيره عنه . واختلف العلماء فيه من أجل تقييده بالطيب ، فقالت طائفة : « الطيّب » ، هو الطاهر ، فيجوز التيمم بوجه الأرض كله ، ترابا كان أو رملا ، أو حجارة ، أو معدنا ، أو سبخة ، إذا كان ذلك طاهرا . وهذا مذهب مالك ، وأبي حنيفة ، والثوري ، وغيرهم . وقالت طائفة : الطيّب : الحلال ، فلا يجوز التيمم بتراب مغصوب . وقال الشافعي ، وأبو يوسف : الصعيد الطيّب التراب المنبت ، بدليل قوله تعالى : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [ الأعراف : 58 ] الآية . فإذا علمت هذا ، فاعلم أن المسألة لها واسطة وطرفان : طرف أجمع جميع المسلمين على جواز التيمم به ، وهو التراب المنبت الطاهر الذي هو غير منقول ، ولا مغصوب ؛ وطرف أجمع جميع المسلمين على منع التيمم به ، وهو الذهب والفضة الخالصان ، والياقوت والزمرد ، والأطعمة كالخبز واللحم وغيرهما ، والنجاسات وغير هذا هو الواسطة التي اختلف فيها العلماء ، فمن ذلك المعادن . فبعضهم يجيز التيمم عليها كمالك ، وبعضهم يمنعه كالشافعي ومن ذلك الحشيش ، فقد روى ابن خويز منداد عن مالك أنه يجيز التيمم على الحشيش إذا كان دون الأرض ، ومشهور مذهب مالك المنع ، ومن ذلك التيمم على الثلج ، فروي عن مالك في [ المدونة ] ، والمبسوط جوازه : قيل : مطلقا . وقيل : عند عدم الصعيد ، وفي غيرهما منعه . واختلف عنه في التيمم على العود ، فالجمهور على المنع ، وفي [ مختصر الوقار ] أنه جائز ، وقيل : يجوز في العود المتصل بالأرض دون المنفصل عنها ، وذكر الثعلبي أن مالكا قال : لو ضرب بيده على شجرة ، ثم مسح بها أجزأه ، قال : وقال الأوزاعي ، والثوري : يجوز بالأرض ، وكل ما عليها من الشجر والحجر ، والمدر وغيرها حتى قالا : لو ضرب بيده على الجمد ، والثلج أجزأه . وذكر الثعلبي عن أبي حنيفة أنه يجيزه بالكحل ، والزرنيخ ، والنورة ، والجص ، والجوهر المسحوق ، ويمنعه بسحالة الذهب ، والفضة ، والنحاس ، والرصاص ، لأن ذلك ليس من جنس الأرض . وذكر النقاش عن ابن علية ، وابن كيسان أنهما أجازاه بالمسك ، والزعفران ، وأبطل
--> ( 1 ) أخرجه عن أبي سعيد الخدري البخاري في المظالم حديث 2465 . وأخرجه عن أبي طلحة زيد بن سهل : مسلم في السلام حديث 2 ، وأحمد في المسند 4 / 30 .